ما الذي يدفعنا للعمل بشغف في صناعة القهوة؟
نلاحظ كثيرًا أن من يعمل في صناعة القهوة لا يملّ، ونتداول كثيرًأ بيننا - نحن في مجال القهوة - أن من يعمل مرة في أي مرحلة من صناعة القهوة، لن يترك العمل فيها ما طالت به القدرة. بدأت العمل كباريستا - أي محضر قهوة محترف - منذ وقت ليس بالطويل، وهنا أبحث عن الدافع الذي يدفعنا جميعًا للعمل بكل شغف في صناعة القهوة.
لم أكُن قَبل أن أدخل في مجال صناعة القهوة كـ (باريستا) إلا معتادًا بشدّة على شربها، شربها كمنبّه يعين على الصّحوِ ودفع النُّعاس، فكانَ كأس القهوةِ في يدي يدلّ على إشراقةِ الصّباح، أو بداية العمل، أو يدلّ على ظلمةِ الليل وانشغالي بأمرٍ يستدعي السّهر، ولم أكُن في هذا بِدعًا من الناسِ، فلستُ بذاك إلا كحالِ الغالبِ ممّن اعتادوا شُربها حدّ التعلّق.
على أيةِ حال، حينَ قررّتُ أن أُصبح باريستا، كنتُ على درايةٍ بأنّ علاقتي بالقهوةِ ستتغير، أو بمعنًى أصحّ، ستتطور، ولم أكن أعلم حينها كيف سيكون هذا التغيّر.

في انطلاقتي كباريستا، بدأتُ بالقراءةِ، الكثير من القراءةِ عن البنّ كثمرةِ فاكهة، وأكثرُ عن القهوة كمشروبٍ لذيذٍ، غنيّ بالطّعوم والنكهَات الخاصة، قرأتُ عن مشروبٍ لم أذقه قط، قلتُ حينها أن ما أنا معتادٌ على شربه ليسَ له علاقة - بالتّأكيد - مع هذا المشروب الذي أقرأ عنه.
قرأتُ ما يزيدُ على كتابينِ أو ثلاثة، قبلَ أن أقِف لأول مرةٍ خلف أدوات تحضير القهوة، متشوقًا لشربِ ذاك المشروبِ الذي قرأتُ عنه، لم أُفلح، كانَ كأسًا غيرَ مُرضٍ ذاك الذي صعنتُ، إلا أَنّي شربتُ آخر - من صُنع باريستا حقيقي - زادَ معرفتي عن هذا النوع من القهوةِ اللذيذة، جدًا. و في يوم التدريب الذي يَليه، وبعد المحاولاتِ الكثيرة، صنعتُ كأس قهوةٍ أرضاني قليلًا، فسألني باريستا إكسير البن، أن يتذوّقهُ، قدّمته لهُ، فاستشمّ القهوة في الكأسِ قليلًا، ثمّ بدأَ بسردِ المشاكل فيها: حموضة الفاكهة غير الناضجة واستخلاص أكثر من اللازم. ثمّ استشفّ قليلًا منه وواصل السّرد: قوامٌ ضعيف، ومرارةُ في النكهةِ الأخيرة، وأتم حديثه بتوضيح الحلول. كانَ تصرّفًا مُدهشًا بالنسبة لي آنذاك، ولم يكُن من السّهل عليّ فهمُ ما فعلَ، إلا أنني ازددتُ حِرصًا على التدرّب أكثر.
تتالت التدريبات وتعاقبت الأيام بعد ذلك، اليوم صرتُ قادرًا على تذوّقِ القهوةِ، وفهمتُ كيفَ لتلك المعايير الشديدة، والأدوات الدقيقة، أن تُنتج كأسًا من القهوةِ له روحه، كأس شربُه ليس لداعي اليقظة فقط، كأسٌ في شربهِ لذّة، في شربه استلهامٌ للكمال.
من هنا يأتي شغفنا بالعمل في صناعة القهوة، إننا نتعامل مع ثمرة حية، نزرعها ونحصدها، ثم نعالجها ونحمصها ، لنحضرها بمعايير شديدة الدقة، نتلذذ في كل مرة نحضر شيئًا منها، وفي كل مرة نتذوق ونتطلع إلى الحصول على ما هو أفضل وأفضل بلا هوادة، لذا نعشق القهوة ولا نمل منها، ونحرص على أعلى مقاييس الجودة، لاستيلادِ سُلافةٍ من القهوةِ، لا يفهمها إلا مَن طالت خِبرته بها وعشقُه لها، ولا يَصنعها حقًّا إلا مَن يحترِف تذوّقها ويُتقن معاييرَها.